مقاربات حديثة في نظرية الاثار التوراتية ، بقلم شهيرا جمجوم


1 قراءة دقيقة

مقاربات حديثة في نظرية الاثار التوراتية 

 

بعد سنوات طويلة ساد فيها الجمود حول التوراة وجغرافيتها، واستنادها بشكل مطلق بأرض فلسطين، ها نحن اليوم وبعد عقود من انطلاق علم الآثار الحديث، الذي تمكن من تفكيك هذه الخرافة الدينية والمتعلقة برواية موروثة شفويًا، تم تدوينها على فترات ليست متقاربة، ليفتح العلم مصراعي باب البحث عن المكان التي دارت فيه أحداث التوراة من قصص وأمال وأحلام ظل يصبو الشعب اليهودي إلى تحقيقها، وأقصد هنا بكلمة شعب يهودي أي الشعب ذو الحضارة والممالك الضخمة التي تكلمت عنها التوراة، هناك عدة نظريات تتعلق اليوم بجغرافية التوراة، لكن علم الآثار الحديث حسم موضوع ارتباط التوراة بجغرافية أرض فلسطين، معللًا أن هناك فراغ كبير وتناقض أكبر بين الرواية التوراتية وجغرافية هذه الأرض.

من خلال هذه الورقة سنتلكم عن إحدى النظريات الفرضية الجديدة التي حاولت إثبات صحة الرواية التوراتية ولكن في سياقها الجغرافي الحقيقي، هناك عدة نظريات تكلمت على أن التوراة دارت أحداثها في غرب السعودية ومن مناصريها أ. كمال الصليبي، وأنا من خلال هذه الورقة سأقدم نظرية أخرى أكثر تماسكًا في مقاربة العلماء، وخاصة علماء الآثار والتاريخ، ولكن تبقى هذه النظريات قيد البحث، وما يهمنا هو استسلام الباحثين لصحة عدم ارتباط التوراة بأرض فلسطين، حيث أصبح البحث الآن يدور خارجها.

 أسطورة عبور النهر وسقوط أريحا، مقدمة نظرية  للأستاذ فاضل الربيعي في الرواية التوراتية من خلال عدة أبحاث قام فيها في جغرافيا اليمن، استطاع أن يبني عليها نظرية جديدة في علم الاثار التوراتي، هذه النظرية التي تفند التاريخ المزعوم وبخلاف كل النظريات الدارجة والسائدة قديمًا، فانها توضح بأن يوشع بن نون لم يعبر الاردن ولم يفتح اريحا قط، حيث وصفت التوراة المعارك وقالت أن موسى استولى على جبل وحصن صهيون وانه أطلق عليهما اسمه : جبل دود والجبلين وجدهما العلماء في قلب سراة جبلية تمتد من صعدة حتى شرق صنعاء ، بيت بوس وجبل دود ، والتوراة لا تعرف مأدبا التي يزعم كثير من علماء الاثار أنها وردت فيها باسم ميدب .

وبكل يقين لم يدخل الملك داوود أورشليم وحصن بيت بو ، من ضواحي دمشق لان جغرافية بلاد الشام لا تعرف هذا الحصن الجبلي.

فكيف تكون هذه الجبال والحصون في اليمن باسماءها ذاتها وبالوصف الجغرافي ذاته ثم يقال أنها فلسطين ، وان يوشع بن نون عبر نهر الاردن نحو أريحا، حسب وصف الباحث.

أما الجبل الذي يحمل اسم صهيون فهو اسم حديث أطلقه المستوطنون منذ سنوات ، وكل ما يتداول في الكتب والدراسات عن هذا العبور الخيالي للمدن الفلسطينية ليس الا خيال استشراقي سقيم .

التاريخ مملوء بتناقضات غير قابلة للحل ـ فمثلا نعرف أن داوود وسليمان هما ممن ملوك اليمن القديم ، فكيف صبحا ملكين في فلسطين ؟

وكما نعرف جميعا أن اريحا هي من اكثر مناطق العالم انخفاضا ، فكيف تقول التوراة بأنها جبل وعر؟

وكيف التوراة ذاتها تقول بأن القدس جبل وهي ليست جبل ولا فوق جبل ولا بجانب جبل ؟

ناهيك أيضا عن التصورات الزائفة للتاريخ ، ومن ذلك ايهامنا أن بني اسرائيل هم اليهود بعامة ، وان هؤلاء هم نفسهم الذين قاموا بمذابح منظمة للفلسطينيين قبل نحو 2500 عام ، ولم يكن ذلك صحيحا البتة فلا يهود اوروبا هم من بني اسرائييل لانهم يهود، ولا العبرانيون القدماء هم بنو اسرائيل لمجرد الاعتقاد أن لغتهم تدعى العبرية . كما شاع القول وهو خاطئ ولا اساس له سواء في الانثروبولجيا أم في السجلات التاريخية أن العرب واليهود أبناء عمومة ، ترتفع الى الجد المشترك ابراهيم ، وهذا غير منطقي لان قرابة الدم لا يمكن ان تقوم بين قبائل عربية وجماعات من شعوب اوروبية اعتنق اجدادها اليهودية ، حيث كيف يمكن تخيل ان المصري المسلم والمعاصر هو ابن عم ليهودي ايرلندي؟

أضف الى قصة عبورهم الى الاردن القصة الخيالية الاخرى التي تدعى ( معركة هر- مجدو-) التي في الواقع لم تقع في فلسطين وهذه المعركة لا وجود لها في السجلات التاريخية ولا في المرويات الشفهية .

والنص الاخر من هذه الاكذوبات والقائل ان الفلسطينيين شعب تسلل من جزيرة كريت اليونانية الى فلسطين وان هؤلاء زاحموا شعبا امنا اسمهن شعب بني اسرائيل ، وهذا هو جوهر ولب التلفيق والاختلاق بل وجوهر التاريخ المخترع .

أما الفلستين الذين ذكرتهم التوراة فهم ليسو الفلسطينيين ، لان هؤلاء الفلستين كانوا شعبا وثنيا صغيرا يعيش في اليمن القديم ، في واد لا يزال يحمل اسمه حتى اليوم ، هو وادي المفاليس نسبة الى عبادة الاله الفلس اله قبيلة طيّئ وقبائل اخرى تركت اسم آلهها في مكان معلوم لا يزال حتى اليوم في اليمن باسمه القديم وادي المفاليس، والمثير للددهشة ان التلاعب بالتارخ كان مؤسسا على ترجمة خاطئة لكلمة ها-فلشتيم وتصويرها أنها تعني الفلسطينيين ، وهذا الفهم خاطئ لان العبرية تعرف حرف الطاء ولا تستبدله بالتاء .

أما بالنسبة للغة العبرية فقد عمل العلماء الالمان على بعث اللغة العبرية وتحويلها الى لغة موحدة ، وهي في الاساس لهجة منقرضة من لهجات اليمن ، بكلام اخر جرى اختراع سلالة واحدة ( نوع من قومية أو عرق ما فوق ثقافي ) اسمها بنو اسرائيل لجماعات منحدرة من شعوب اوروبية لا ترتبط الا بروابط واهية ، بيد أن فلسطين هذه التي اسست صورتها في وعينا طبقا للصور التوراتية عن السبي البابلي ومعارك داوود وعبور الاردن  وسقوط أريحا لا وجود لها في التوراة قط ، لانه التوراة لم تعرف فلسطين ولم تذكرها بالاسم .

أما اسم مدينة القدس لايوجد اي دليل لغوي أو تاريخي يؤكد أن العرب قبل الفتح الاسلامي لم يعرفوها قط باسم يبوس أو بيت بوس ، لقد عرفها عمر بن الخطاب والمسلمون باسمها الروماني ايلياء ، وكما ان النبي محمد كان يعرف قدس الجبل المبارك في الحجاز ويعرف الجبل المبارك قدس في تعز في اليمن ، وان اكثر ما يحزن هو ان هنالك من يزعم دون ادني دليل علمي ان التوراة تحدثت عن فلسطين وانها ذكرت اسم القدس وان داوود قاتل الفلسطينيين وسليمان بنى الهيكل وان يوشع بن نون فتح اريحا بعد عبور نهر الاردن وان الفلسيم هم الفلسطينيون ، وان هؤلاء تسللو من البحر، وان ميدب هي مأدب الاردنية ، ومعن هي معان ، وبيت بوس هي بيت يبوس في ضواحي دمشق ، وهذه روايات كاذبة ليس لها من الحقيقة التاريخية اي نصيب ، وفي ختام هذه الخلاصة فانه ليس ثمة اي حق ديني او تاريخي لاي جماعة تزعم ان لها حق في اراضي الاخرين ، لمجرد انها تنتسب للدين نفسه ، فكما لا يحق لمسلم صيني الزعم انه من قريش وان له الحق في وراثة ارض العرب لمجرد انه مسلم، فان اليهودي الاوكراني او الالماني او الامريكي لا يملك حق الزعم انه من بني اسرائيل لمجرد انه يهودي الديانة ، لان بني اسرائيل قبيلة عربية وليست من قبائل الفايكنغ.

ان الامم تحيا وتنهض وتتوحد فقط حين تملك سردية واحدة صحيحة عن تاريخها ، وليست روايات متعارضة ومتصادمة ،فللاسف لقد تسببت القراءة الاستشراقية للتوراة في حدوث فوضى في التاريخ الانساني برمته نجم عنها صراعات دامية متواصلة حيث لم تعد مسألة النزاع على الارض والحقوق التاريخية هي المسألة المركزية وحسب ، بل اصبح التاريخ نفسه هو الموضوع ومادة هذه الصراعات ، صراع دموي طويل يدور بين تاريخين أحدهما حقيقي واخر  مخترع .


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.