مسرحية "ملح أخضر" وجدلية الفقد


1 قراءة دقيقة

مسرحية ملح أخضر

المخرج كامل الباشا


مسرحية ملح أخضر وجدلية الفقد

المجتمعات في صيرورة الزمن، هي من تكتب تاريخ إنتهاء صلاحيتها من خلال ما تنتجه من قيم ومفاهيم ، والحروب الأهلية هي إمتداد لصراعنا النفسي داخل محيطنا الاجتماعي

أحمد الحرباوي


مسرحية ملح أخضر، للمؤلف د.علاء سليمان، تمثيل كل من ريم تلحمي، عامر خليل، محمد الباشا، ميلاد قنيبي، مريم الباشا، وإخراج كامل الباشا، عبارة عن مسرحية درامية تتناول في قضيتها الحرب الأهلية وفق عدة أبعاد وسياقات، وتأثيرها على المجتمع بشكل مباشر، وآخر غير مباشر ظهر على المستوى الأعمق للطرح الدرامي، جاء من خلال تركيبة الشخصيات وبنيتها النفسية، فالمسرحية لم تحمل صورة ما أفرزته الحروب الأهلية من دمار على صعيد البنية المادية للمجتمع، بل طرحت المسرحية عدة مسارات رئيسية للصراع رسمت ملامح تلك الحرب، المسار الأهم يتعلق بالعامل ذو التأثير الأكبر، وهو الآتي من رواسب نفسية ذاتية مختلفة ومتصارعة بين كل فرد وآخر، اكتسبها من أسرته وبيئته المحيطة بالتقادم، ولم تأتي بمحددات خارجية معزولة عنه، كأنها مؤامرة مدسوسة، والمسار الآخر متعلق في كيفية تفاعل الفرد مع تلك النوزاع التي تشكل وقودها الرئيسي، وتأثير تلك الظاهرة على المحيط العائلي والاجتماعي فيما بعد.

تتناول المسرحية قضية أم تفقد أبنها المريض بالصرع في إحدى الحروب الأهلية، فتصر الأم على الإنتقام لإبنها المغدور من خلال العمل على قتل كل من تعرض لإبنها بأذى، سواء في المحيط الاجتماعي الذي كان يتعامل معه بنقص، أو من الناجين من الحرب التي هلك هو فيها، إعتمدت المسرحية بشكل أساس على الحوار، الحوار المفتوح بين عدة شخصيات تمثل كل منها رؤية شخصية ذات مركبات وهواجس خاصة تتصارع في المحيط ( حوار الأم والزوج، الأم والفتاة الفلاحة، الأم والجنود)، وهذه القاعدة الحوارية أرست نوع من الحركة الأفقية في مشهد الحدث، فلم تضعنا المسرحية في زخم صراع الشخصية النفسي، كما أن غياب المونولوج، أعطى نوع من النمطية خاصة في الديالوج المتكرر بين شخصية الأم والجنود الذين تقتلهم، رغم وجود ملامح اختلاف تتعلق بالشخصيات ظهرت من خلال الحوار، لكن العامل النفسي كان مهم لدعم تلك الصورة داخل الحدث، وبالرغم من أن حركة الحوار بين الأم وزوجها اختلفت مع تطور الحدث من البداية حتى النهاية، لكن نمطية الحوار ظلت هي المسيطرة على البعد الدرامي خاصة في البداية مما جعل المشهد في بعض المواضع مملًا، مما أثر سلبًا على الحبكة وقدرة المتلقي على التفاعل معها بشكل غير منقطع، وهذه الجدلية ربما ظهرت بسبب وقوف الزمن عند الأم في اللحظة التي قتل فيها ابنها، فأصبحت تنطلق من ذكراه للتعامل مع محيطها البشري أو المادي.

ينفتح المشهد الأول على صوت جرس الذاكرة الذي تكرر في المسرحية في عدة مشاهد، حيث كان الفعل الدرامي للمشهد يأتي بتراتبية معينة للحدث، ثم يتم ختام المشهد من خلال الكشف عن السبب الأساسي في تبلور تلك القضية من خلال الرجوع إلى الذاكرة (صوت الإبن المقتول) لنرى أثر تلك الرواسب الماضوية في الواقع، وهذا تمثل في الأساس في قضية بطلة المسرحية الأم، هناك ملمح مهم سيميائي دعم الصراع النفسي للأم بعيدًا عن المونولوج، وهو متعلق بسيميائية التأثير البصري على المتلقي، وتمثل في رمزية الشباك والجلوس والانتظار، ونوم الزوج ووضعيته على الأريكة التي تعطي ملمح من ملامح الرجل الشرقي النمطي، الذي دفع بإبنه إلى الحرب ليكون رجلًا، ولكن هذه السيميائية البصرية لم توظف في المشاهد الأخرى، وتذبذبت في الحضور، لكنها ظهرت مرة أخرة في رمزية طرق الأبواب نهاية المشهد الختامي، مما أسعف النشاط التأثيري على مستوى خطاب النص بعيدًا عن استطراد الديالوج، كما أن توظيف الرمزية في الكثير من المشاهد مثل الاغتصاب المتكرر، والشبق الجنسي الذي كان يدور حول مضمون القضية المطروح وخاصة في التأكيد على علاقة الجنود مع النساء في الطرف الآخر للحرب، كما ظهرت رمزيات أخرى للثورة والحرب والتي تمثلت في صورة الجنود الانتهازيين، كما حضرت رموز أخرى داخل المستوى الأصغر للحوار، مثلما تمثلت في الجرذان والكلاب والقطط التي كانت تشير إلى أطراف الصراع.

 كما أن مشهد النهاية ينفتح في سياقه على المحيط الانساني ككل، فهو ليس مجرد قضية جندي مقتول، فرمزية قتل الإبن يدل على موت الانتماء الوطني، وحرق الجثة يرمز على الغضب ونهاية الحياة التي قد تعني بداية حياة أخرى، أو رغبة للوصول إليها وعبر الحدث عن هذه الأمنية من خلال التعبير عنها في المشهد الختامي المتعلق بصوت طرق الأبواب.

بالنهاية هناك عدة سياقات إجتماعية تعلقت في الصراع المنتج للحرب، هو طريقة التنشئة الاجتماعية وكيف تتأثر تلك التنشئة بالدوافع الأبوية، وبالمكانة الاجتماعية والتوزيع الجغرافي، وهذا كشف عنه الحدث الذي أظهر وجود الفساد الاداري عند الحكومة والعسكر الذي يدير دفة الصراع، وكيف تصبح الحرب عبارة عن صفقات تجارية، ويصبح المفجوعين بالفقد عبارة من متسولي كلمة أو ذكرى، هذه المسرحية بكل ما حملته من جدليات إلا أنها استطاعت أن تقول ما لا يقال، بأننا نحن من نتحمل مسؤولية القتل والدمار، فلا أحد آت من الخارج ليزج بنا داخل دوامة الدم والدمار.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.