كتاب "المتاحف والصراع الفلسطيني الاسرائيلي" لنسب أديب حسين، ومأزق الدراسة الثقافية في فلسطين.


1 قراءة دقيقة


الباحثة نسب أديب حسين


بقلم: أحمد الحرباوي


تنحصر الدراسات الثقافية في فلسطين ضمن عدة مستويات، لكنها محصورة في بعض الدراسات الكلاسيكية، والأخرى مرتبطة بالتراث المادي للشعب الفلسطيني، في ظل تطور العلوم الانسانية والانثربولوجية والاجتماعية أصبح هناك حاجة ملحة من أجل توسيع دائرة البحث الثقافي الفلسطيني كإحدى أهم آليات الدفاع عن الهوية والوجود الفلسطيني، خاصة في ظل الصراع القائم مع الآخر المُحتل. بدأت في فلسطين في فترة متأخرة نسبيًا تظهر ملامح حركات فردية ذات تطلعات حداثية وأبعاد أكثر عمقًا في التعامل مع الهوية والموروث الثقافي دون أن تأخذ اهتمام المؤسسات الفاعلة في المشهد الثقافي، أو أن تصبح ميدان واسع للبحث، لحاجتها لأدوات معرفية حديثة وآليات عمل جديدة، ونوع من أنواع المنهجية المبنية على أسس علمية وعملية، سواء في التاريخ والانثربولوجيا، أو المقاربات الثقافية التي لازلنا نفتقر لها ضمن المستوى الأكاديمي والعمل الثقافي. يأتي كتاب الباحثة نسب أديب حسين بعنوان (المتاحف والصراع الفلسطيني/الاسرائيلي، على هوية القدس الثقافية المعاصرة) من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، ضمن تلك التوجهات الحداثية في التعامل مع الهوية الفلسطينية وقضية تصارعها مع المُحتل الاسرائيلي، ويؤسس هذا الكتاب لأرضية خصبة لإنتاج عدة أبحاث ودراسات من قبل مختصين، من أجل المساهمة في إعادة صياغة آليات ثقافية للمواجهة مع الآخر المحتل، وتلك الآليات لا تحتاج إلى آلية عمل ضخمة بقدر ما تحتاج لأرضية بحث علمي من أجل التصدي للرواية الاسرائيلية الموجهة إلى الجمهور المختلف، خاصة من خلال المتاحف الاسرائيلية، حيث لازلنا نحن من نُصدّر لتلك الرواية الاسرائيلية التاريخية في مؤسساتنا الثقافية والسياحية والأكاديمية بشكل غير مباشر، ونعمل على رفد الوجود الاسرائيلي بنوع من الايجابية من خلال التراث الديني الداعم لتلك الرواية، حيث تحمل تلك الرواية التاريخية الدينية نوع من القداسة في الوعي الفلسطيني تجعله يتعامل معها بنوع من المصداقية، وذلك يعود لعدم تجدد حركة النقد التاريخي الفلسطيني وتنوع مناهجه. تقدم لنا الباحثة في كتابها المقسم إلى ست فصول عدة أبواب تشرّع نفسها على أسئلة وجودية تحتاج إلى البحث من أجل إعادة بناء الهوية والذاكرة والقضية الفلسطينية في الوجدان الانساني بطريقة علمية، تطرح الباحثة في الفصل الأول مفهوم المتحف وأهميته الثقافية والحضارية وقدرته على طرح خطاب موجه نحو العالم ككل، وفرقت بين حركة المتاحف الغربية والشرقية في تطورها ونموها، ودورها الكبير في الرفد الحضاري للشعوب، وفي الفصل الثاني طرحت الباحثة مفهوم الهوية والثقافة كمكون أساسي من مكونات الانسان المتفاعل مع ما يحيط به وما ينتجه من قيم، وبما أن طبغرافيا البحث تجري في مدينة القدس قدمت الباحثة في الفصل الثالث دراسة تاريخية عن وضع المدينة المقدسة منذ نهايات العهد العثماني حتى العصر الحديث الذي تقبع فيه المدينة تحت الاحتلال الاسرائيلي كنوع من أنواع الرد على التهميش الاسرائيلي لتلك الحقبة التاريخية وقولبتها في أشكال معينة معيبة. المهم في هذا البحث والغير مسبوق في الدراسة هو الفصلي الرابع والخامس، فمن خلالهما وفق دراستها المسحية قدمت لنا مقاربة في آلية العمل والبناء المنهجي والصورة بين المتاحف الاسرائيلية والفلسطينية داخل المدينة المقدسة، وحللت أسس الخطاب الذي يقوم عليها كل متحف من خلال ترويجه لروايته التاريخية. من أهم الأسئلة التي يطرحها هذا البحث من خلال موقعنا كفلسطينيين داخل دائرة الصراع هو: 

  • ما هو الأساس التاريخي للرواية الاسرائيلية عن تاريخ المدينة؟

 فمن خلال هذا البحث يظهر لدينا ملمح مهم جدًا يشكل جزء من خطابنا كفلسطيين، وهو متعلق ببداية تأريخ المدينة في سردية المتاحف الاسرائيلية، حيث جاء في  أفضل الأحوال منذ القرن الثامن عشر قبل الميلاد، أي الفترة التي تتحدث فيها التوراة عن هجرة ابراهيم إلى فلسطين، دون أن تتطرق المتحاف إلى الحضارات والبحوث الأثرية التي تناولت الوجود الأول في فلسطين منذ عشرة آلاف عام قبل الميلاد والتي أسست للمجتمع الفلسطيني الأول، وهذا ما أثبتته الدراسات الأثرية ومخلفات الحضارات على رأسها الأمورية ونقوشها، أو حتى اللقى الأثرية للانسان الأول في كهوف فلسطين والتي تعود إلى 500,000 عام قبل الميلاد، من خلال علم الآثار نستطيع أن نبني رواية تاريخية مضادرة لتلك الرواية من خلال الاهتمام بهذا الميدان الانثربولوجي الحديث، ونستطيع تدعيم هذه السردية التاريخية من خلال متحف فلسطيني قادر على مخاطبة الوعي الانساني العالمي بطريقة علمية حيادية، ولكن الخطوة الأولى تكمن في نزع التاريخ التوراتي من السردية التاريخية الفلسطينية الاسلامية او حتى المسيحية،  لأنهما توازيان الطرح الاسرائيلي، وخاصة في الاهتمام ببداية التأريخ لفلسطين بطريقة دينية، تبدأ من دخول ابراهيم إلى فلسطين، بالرغم من أن علم الآثار الحديث لم يثبت هذه الرواية حتى الآن، إلى جانب العديد من القصص الأخرى التي تتبنها السردية الفلسطينية خارج الدين، مثل سردية الثورات اليهودية وملوكهم ضد الرومان، حيث لم يثبت تاريخًيا قيام اليهود بتلك الثورات، كما أن الحملات الرومانية التأديبية لم توجه في المصادر التاريخية لليهود، بل كانت تشكل بلاد الشام ومصر، وتحريف تلك القصص هي من بناء علم الآثار التوراتي وانتشر لمدة قرن قبل أن يسقط حديثًا، فأين نحن من تلك البحوث الأثرية الحديثة؟ السؤال الثاني الذي يطرحه هذا البحث على المستوى الضمني جاء متعلقًا بالرؤية الجمعية الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية في طرح السردية التاريخية، فمن خلال هذا البحث تطرح لنا الباحثة شكل الرواية التاريخية الاسرائيلية المتناغمة، والناجمة عن اهتمام رسمي استطاع بكل ذكاء استحداث رواية تاريخية موحدة، دعمها بمتاحف تم صياغة محتواها بما يتوافق مع تلك الرواية، والمتلقي الغير قارء للتاريخ يستطيع التفاعل مع تلك السردية من خلال الحقائق الأثرية التي تم تزوير دلالاتها بشكل فاضح، ومن هنا يكون الخطاب الاسرائيلي أكثر اقناعًا للمتلقي الغربي وحتى العربي، فبالمقابل ما هي الرؤية التاريخية والرواية الفلسطينية الرسمية والموجهة إلى العالم؟ بعيدًا عن الجهود الفردية التي بعملها المتشرذم لا تستطيع تقديم رؤية مقنعة ومتماسكة للآخر. تطرح الباحثة سؤالًا مهمًا مخصصًا لواقع مدينة القدس، التي تعتبر أهم نموذج للصراع مع المحتل، ويكمن ذلك السؤال ب: هل تعبر المتاحف الفلسطينية في القدس عن مركبات الهوية الثقافية الفلسطينية للمدينة؟ ساقف هنا عند مصطلح المدينة لما لهذه الكلمة من دلالات ذات أهمية كبيرة في هذا السياق وهو الملمح المديني كأهم حيز منتج للثقافة ومركباتها،المجتمع الاسرائيلي المركب من عناصر ثقافية مختلفة تتطلع كل فئه فيه من طرح ثقافتها وفق آليات معينة بسبب عدم انتماءها المباشر خارج الرواية الدينية لبعضها البعض، مقابل المدينة الفلسطينة المنسجمة ثقافيًا لكنها غير قادرة على تبني نموذج حضاري وثقافي موجه من أجل اثبات كينونتها، فما هو السبب في ذلك؟ تطرح الباحثة اجابات ضمنية في هذا السياق ضمن اجابتها عن سؤالها السابق، وهي مرتبطة بعناصر الهوية الفلسطينية المتعلقة بالذاكرة الوطنية التاريخية واللغة والرموز، والارث الثقافي والتجربة الحياتية، وانعكست تلك العناصر من خلال حشد الذاكرة التي شكلت أكثر العناصر استعراضًا في المتحف الفلسطيني داخل مدينة القدس، لكنها عبرت عن التاريخ المحدود في عمقه، إلى الجانب مركبات اللباس والطعام والمجسمات التراثية، فهل القصور في تلك الرؤية والطرح يشي بشكل غير مباشر بوقوع الرواية التاريخية الفلسطينية في شرك الرواية الدينية الاسرائيلية الممتدة في التراث الاسلامي؟ وهذه من ضمن الأسئلة التي طرحتها الكاتبة والتي تحتاج إلى اجابات ببحوث مستقلة. نلتقي مع استنتاج الباحثة في نهاية الكتاب المتعلق بضرورة صياغة رواية فلسطينية موحدة تمنح الفلسطيني من الوعي والادراك ما يستطيع من خلاله الوقوف أمام التهويد للمكان والذاكرة، وهذا ما نستطيع امتلاكه من خلال قلب موازين البحث التاريخي من أجل صياغة رؤية وسردية فلسطينية علمية، تعمم في كافة منابر الخطاب الفلسطيني في الاكاديميا والثقافة والاعلام  والسياحة والآثار من أجل تدعيم ذاكرتنا الوطنية والثقافية والحضارية  ضد المحتل.  

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.