قراءة في رواية " عازفة الناي" للروائي : عيسى القواسمي، بقلم وفاء ابرويش


1 قراءة دقيقة



   أن تُعدّ قراءة لهذه الرواية أشبه بأن تخطو إلى تلك المنطقة الفاصلة بين الروح و الجسد في مسح جغرافي و تاريخي و فنيّ، تبدو كبهاء الدين لكن دون حكمة نوح أو وصايا الغجر .. تعبرُ منك إليك دون وسيط في زحمة موسيقية و قناديل بين الخفوت و التوهج " عازفة الناي " أي تركيز و أي زاوية صوفية لاذ بها المؤلف لينفلت كل هذا المعنى و الذي يهز الطيف العالق في كل منا!

   اعتمد الكاتب على مفهوم "استنساخ الأرواح" في إبراز وجوه شخصياته الطيفية و الإنسانية، هو مستلهم من العقائد القديمة التي تقول بأنّ ما بعد الموت تنتقل الروح للسكن في جسدٍ آخر و هو سلاح ذو حدين فإن كانت الروح سيئة تجني على الجسد الجديد و العكس صحيح .. بعض الدراسات قالت أن واحد إلى ثلاث بالمائة يتذكرون أحداث حياتهم الماضية في مرحلة الطفولة، يدحض العلم هذه الأفكار و بين العاطفة الروحانية و العلم يظل الكون في حالة إثبات من الأكثر تأثيرا بينهما.

يؤكد هذا المعنى في ص12 متحدثا عن الأرواح " في حقيقتها تشبه حياة أخرى عشتها قديما في زمنٍ آخر " .

   بين الخيال و الواقع و علم الطاقة و سكينة الصوفية و خلوة الرهبنة و التنجيم الغجريّ، بين الموسيقى و الذاكرة و التاريخ بين كل هذا اللامحسوس ابتدأ الكاتب في أسلوب التشكيك و منح القارئ إثارة التأويل و التنبؤ ليسلّط الضوء على العمق المعتم و البعيد في النفس الإنسانية .

   ارتكز الكاتب على الأمكنة و قد كانت هاجسا داخليا لديه و هو الذي يستنطق روعة البناء بوصف دقيق مستدرجا القارئ من تركيزه الشديد إلى ما بعد المكان و ما بعد الحدث.. يعبر طريق الآلام جيئة و ذهابا في إشارة واضحة لخطوط سير هذه الحياة في البلدة المقدسية للفلسطينين و التي خاضها المسيح سابقا محملا بعذاباته، في حالة من استقصاء الحقائق و البركة المعتقة في حجارة الأضرحة و بلاط الطرقات و الآثار الخالدة للديانة الإسلامية و المسيحية .. و للطبيعة بقسوتها و امتداد سحرها حتى الصحراء و الختام ببلد أوربي .

    لقد تجاوز الكاتب وسائل النقل الحديثة التي أشار إليها كتوثيق جغرافي للمكان .. إذا اختار الروح كعنصر لامرئيّ خارق القوة و اختار اتباعه بعناية و حرص شديدين.

فابتدأ بقطعة أصيلة من التخت الشرقي، أداة هوائية تحتاج الأعماق لتخرج قدرتها الصوتية إلى حيّز الوجود و التي يعود عمرها إلى الزمن البابلي و قدماء المصريين ، ثم جيتار هيلينا بأوتاره التي تعمدت بحرفية يديها، إلى بزق الغجرية بلهجتها الغريبة فاختار الصراع بين الأدوات الثلاث عوضا عن الحروب العادية المقيتة التي نخوضها لتنتصر في النهاية آلاف النايات في الشرق و الغرب .

   لقد وهب الروائي المبدع الموسيقى حق مواجهة الاستيطان و الخيانة و التي سلبت بهاء الدين بيته ؛ ببيع عمه خلسة له و ابتزاز والد حاييم و قتله لجد و والد بهاء الدين عيسى القواسمي أكّد على أنّ البيت يسكن صاحبه و ليس العكس فيقول : ص51 " الأماكن مثلنا .. هي أيضا تشيخ يا فتى و البيت لن يذهب أبعد من حدوده البيت يسكننا نحن و ليس العكس "

تبادر إلى ذهني سؤال إثر قراءتي لهذه الكلمات .. هل هذا هو تعريف مختصر للوطن ؟

     مهارة الكاتب تجلّت في سحب الذهن من المنطق إلى عالم لا أستطيع القول بأنه من الفانتازيا الأمر تجاوز هذه المنطقة بكثير .. هو أراد سردا مختلفا يتشح بالرمز و المنطقة الخطرة في النفس الإنسانية و التي تسجيب إلى الأفكار و تؤمن باللامعقول بعيدا عن العلم و جفافه، أراد الخوض ببحر ما وراء الطبيعة أحيانا يؤكد على ما لديه بتفسير إغريقي و آخر صوفي و آخر غجريّ و يستجمع الحضارات كلها و المعارف البشرية المحدودة ليخلق أسطورته الخاصة و يجذّر لها في نفس القارئ

مع يقيني التام أنه في صومعة كتابته ما كان يفكر بأي قارئ .. لكنه كان يستحضر شخصياته و يسكب لها ما تيسر من أقدار، القدر الذي عبر عنه " بالمنطقة "

ص34 " منطقة مشوشة من ذاكرته "

" منطقة مبهمة من مخيلة المتسول "

كما قد يسميه مكان خاطئ كحوار نوح مع نفسه ص 168

عيسى القواسمي يمنح الذات اللامرئية حق الخروج إلى المرئيّ في تسليطه على الأماكن المهجورة في الروح الإنسانية، تلك التي تحرّك فيه الحياة و المشاعر بسلبها و إيجابها و يؤكد على هذا بقوله ص228

" كل ما في الأمر هو ان نعتاد الإنصات إلى داخلنا " و لا يغفل حاجة هذه النفس المحدودة إلى شريكها الذي يكملها في تماه مدهش فيقول بذات الصفحة : " اكتمال الروح مع الطيف في البداية و الآن هيلينا تحاول الاكتمال بالفتى " .

 لم يكن بإمكاني تجاوز ما تحدثت عنه سابقا للانتقال إلى المحاور الفنية و عناصر الرواية لدى الروائي عيسى القواسمي فهي مكتملة و رصينة الحبك، مطوية بلغة أخّاذة و صور فنية غاية في الإبداع و الحكمة .. هناك بعض الأخطاء المطبعية الواضحة و المتكررة بين همزة الوصل و القطع و الذال و الزين في غير محل إلا أنها لم تنل من روعة الرواية .. بالإضافة إلى قول الكاتب في صفحة 245 في زيارة الفتى لصحراء النقب مرورا ب " المفاعلات النووية الإسرائيلية " فهي ليست إلا صهيونية مقيتة لم تملك مباركة اسرائيل و لا الحضور الديني لهم في فلسطين على الصعيد الأركيلوجي على أقل تقدير "

في النهاية دراسة هذه الرواية تحتاج إلى خلوة و تأمل طويل لأن ما تبنيه لنفسها في ذهن القارئ أكثر مما يمكن التحدث عنه أو تشريحه أدبيا وفق الخيال الكبير الذي قامت عليه .

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.