قراءة أدبية في ديوان (بائع النبي ) للشاعر سلطان القيسي بقلم ،،انتصار عطية،


1 قراءة دقيقة


النبي : من الفعل الثلاثي (نبأ) ، نبأ الرجل نبئًا أي أخبر .
و النبوءة : سفارة بين الله عزّ وجل و بين ذوي العقول لإزاحة عللها ، و تبدل الهمزة واوًا ، ثم تدغم في الأولى ، فيقال النبوّة .
و النبِىء : المخبر عن الله عزّ و جل حيث تبدل الهمزة ياءً و تدغم في الأولى ، فيقال النبيّ .
بائع : أصلها بيع ، و البائع هو المساوم و الماهر في البيع .

من هنا ....من هو النبي المقصود ؟ ومن هو المساوم على بيعه و عقد الاتفاق ؟!
وهل يُباع النبي ، المخبر عن الله أو يساوم على بيعه ؟!! طبعًا ،لا .
إذن ، هنا هو الشاعر : المخبر بالحقيقة المكبوتة أحيانًا ، و المعبِّر عما يدور حولنا أحيانًا بقالب شعريٍّ لغويٍّ مميزٍ أو لربما هو ذاك المحدث شيئًا من التجديد و الحداثة الكتابية الشعرية ، و لا سيما أنَّ هذه النصوص التي بين أيدينا ، خرجت عن الشكل المعتاد و النسق الرتيب لشكل القصيدة العربية و طابعها العام سواء أكانت عمودية أم حرة ....
أحسبُ أنَّ الشاعر أراد التمرد على التقاليد و العادات الموروثة سواء أكانت كتابية شعرية ، أم مجتمعية عرفية ، غُمس الفرد في قوانينها فأصبحت معتقد لا يجوز تجاوزه أو الخروج عنه ...و هكذا فعل القيسي .
فنحن أمام نصوص نتوه في تصنيفها تارة ، و تغرقنا بصورها تارة أخرى ، و تضعنا في شرَك لا نحسد عليه ثالثة . شرك المفردات النثرية المقولبة شعريًا . فالصورة الكتابية لهذه المفردات في بعض النصوص لا يمكن أنت كعربي لغوي أن تصنفها شعرًا ، و بعضها شعرًا عذبًا ذا شجوٍ وموسيقى و جمالٍ فني رائع .

خرج شاعرنا من الرتابة الشعرية المعروفة عربيًا ، و أحدث هذا النبي أمرًا جديدًا غير معهود بين علماء اللغة و كتّاب العربية .
نعم ، هذا نوع من الحداثة و التجديد ،لكنّه أبدع في بعضها و سما كتابةً ومعنى و شكلًا ، و في البعض القليل حسب رأيي المتواضع ، لم يوفق شاعرنا فيه ، فلم أشعر بأي عاطفة أو موسيقى شعرية فيها .

فمن نشيد الأنشاد للكنعانيات ، فهنَّ الجميلات الأصيلات ذوات الصوت الجميل ، و إن عُقد رابطُ الحبّ لا يعقد إلا لهن إلى يوم القيامة ، حتى اللون الأحمر في العَلم سال و انسكب من خدودهن اللاتي كالشفق عندما يستقبلن عشاقهن العائدين من حصاد الأعداء ، حتى حزنهن أخضر رغم الدمع و الفقد . يلدن الحرية و أبطال الطهر ، هنّ الخيول الأصيلة العادية الساحرة ، بل هنّ العظيمات القويات في الحروب ، لينات في الحبّ ، مرنات مع المواقف المختلفة و يختم نصّه بالتغني بجمالهن حتى في مكرهن ....

و كذلك الصبية الشامية في (بيت شامي) ، تكبر و تنجب الأولاد و البنات و يكبرن و تكبر تلك الصبية حتى ينجبوا جميعًا ، و يكبر البيت ليصبح ثلاثين بيتًا ، يدخلها الشاعر أنّى شاء و وقتما أراد ...

تأوه و وجع من فقدان الحبيبة ، يفقدها و يزداد وجعه كلما سمع صوتها ، يقف عاجزًا أمامها فهي كالشمس التي تضيء نافذته المعتمة من أثر الشعر الليلي و الكستناء . فالشك موجع في الحالتين ، حين تغرز وتشك الخرز في أطراف شعرها ، و حين تشك البروش اللامع في صدرها ..ففي الحالين تغرز السكاكين في قلوب من تغادرهم ؛ فالشك إذن موجع !!
يبدو أنّ الشاعرَ موله بالحبّ فهو الفلاح المنكوب .

تكاد نصوصه لا تخلو من ألم الفراق لمحبوبته ، فهو تائه دونها ، هائم لا يحتمل بعدها ، و يبدو أنها لا تستطيع مبادلته الوَجد لسببٍ ما ، فتغلق الهاتف و تقطع الشبكة حين يحادثها ، فهناك عائق يحول دون الوصول إليها قد ظهر هذا المعنى جليًا بقوله :" بيننا جبال جرداءُ " .
و هذا ما جعل الشاعر يتمرد و يثور على تقاليد مجتمعه ، و يصل إلى عنان تمرده ف نصّ ( الذهاب إلى مجلس الأمن ) ، يصرخ بأعلى صوت المفردات يطالب بحريته المكبوتة ، التي تخنقها أعراف القبيلة ، لكي يكتب اسم صاحبته دون خوف أو وجل ...

لم يقتصر التمرد على ما أنف ذكره ، بل تعداه ليطالب بحقه بالتنقل و اختيار إقامته ، ذاهب و قاصد مجلس الأمن الدولي .

لقد برع الكاتب في إسقاط صفة الأرض و الوطن على المحبوبة ، فتداخلت صفة الحبيبة الأولى مع صفة الحبيبة الثانية ألا و هي الأرض و الوطن وقد بدا واضحًا في عدة مواضع منها :
ها أنا أحمل الحمى على ظهري
و أقوم كما تقوم النفساء إلى وليدها
أجلس ببلاهة أمام الشاشة ، أبحث عن أخبارك
إنّ الثورة و صراخ الناس و ناقة الدم العشواء
تغطي ساحات وجهك
و بيحتقن اسمك في رأس القلم

فالثورة ، و صراخ الناس ، وناقة الدم العشواء التي تسير على غير هدى ....تدل على الأرض و ما يحدث عليها من اضطرابات و موت و دمار .

نصوصه متأثرة بما يحدث في الساحة العربية من ثورات و قتلى و دمار ، فقد تحدث عن بغداد حيث الاحتلال و السلب و النهب و الدمار ....و ( سرّ من رأى ) سامراء العراقية ، لم يَعُد يسر من يراها فقد حيلت إلى دمار ...
غزة و المهاجرون الهاربون من لهيب الصواريخ آملين بحياة أفضل ، كما يستنكر سلطان من ذاك المحرر ( محرر الأخبار ) عندما يسميهم بمهاجرين غير شرعيين ....

من أجمل ما قرأت في الكتاب ( الراعي و المجنون ) ، فقد استخدم الشاعر حنكته الشعرية ليخرج نصًا حواريًا بامتياز ، فإن صُنِفت مفرداته أحسبُ أن يخلع عليها ثوب الحكمة . مشهد حوار رائع ...الوقت الملتهب و الوطن الراسخ و الأرض التي أغرقتها الحروب ، ضائع في نحر الكلمات ، هو أرض شتات و منفى :
علمني كيف أسابق الزمن
كي لا يقطعني إلى نصفين ؛
نصف هزيل ضعيف و الآخر مقتول ....

أسلوب الشاعر 

* الشاعر متأثر جدًا بألفاظ القرآن الكريم و قصصه مثل (زليخة ) ، حيث ساعده هذا التأثر بعمل مادة أدبية كاملة ، ليطاوعه حرفه بمدّ جسر متين المعاني و الخيالات و البيان الجم بين مرونة القرآن و بلاغة ألفاظه و بين وصف مجتمع نخر وواقع أليم ، وحب مصدوع ، و وطن مخدوع ، و أمة مهينة مقسومة .

* استخدم أسماء أجنبية ، و مصطلحات غربية غير معروفة عند القارىء البسيط ، حبذا لو فسرها شاعرنا في الحواشي ، مثل ( مقام راست ، سيكا ) فهي مقامات موسيقية ، تغيب عن ذهن القرّاء البسطاء ، إلا إن قصد القيسي الطبقة العليا من القراء المثقفين !!!

* عناوين بعض النصوص ، كُتبت باللغات ( الفرنسية و الإسبانية و غيرها ) و بعضها لم أعد أعرف بأي لغة كتبت و لا سيما من حقي كقارئة أن أفهم ما أقرأ !!!

* لغته فصيحة سليمة ، استخدم بعض الألفاظ القوية ( ناقة عشواء ، جمة ، العهن، الأجش ...الخ )
لُحظِت بعض الأخطاء النحوية و الإملائية لكنها قليلة .

* من المآخذ ، معاتبة الخالق ، و الخالق لا يعاتب ، فمن أركان الإيمان ( الإيمان بالقدر خيره و شره ) ، فهو أدرى منا في أرواحنا ، يرسم أقدارنا حسب قدرة كلّ منا ...هناك الخير و هناك الشر ، كما يوجد القاتل و يوجد المقتول ، هذا الكون موضوع ضمن منظومة إلهية و قوانين لا يجدر بنا الاعتراض و الخروج عنها .

* برع في التصوير الفني ، مثل : "كذبتي البيضاء كقطة "..." سيقتلنني الكنعانيات و هنّ ينشرن الغسيل على حبلي السري "

* استخدم المحسنات البديعية ، مثل ( الهشات / القاسيات )...طباق // ( أهوي / أهوى ) ....جناس .
* تأثره بالتراث العربي في نصه ( يا بو ردين يا بردانة ) ...

تأثر و اقتباس من القرآن الكريم ، مثل ( لا تصعر // العاديات سحرا // الموريات قدحا // وسطن بقلبي جمعا ،و أثرن به نقعا )
و التأثر بالسنة ، مثل : ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان بالقلب ) ..

* الحكم الشعرية زاخرة في نص ( خداع بصري ) و هو عبارة عن ومضات قصيرة جدًا ...

* مولع في استخدام علامات الترقيم كرموز شعرية ، مثل ( قلبي فاصلة بين جملتين في كلام فارغ // أتوقف عند فاصلة زائدة )


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.