فيلم: بين ضفتين: "The war inside us"، نموذج لسينما الهواة التي تطرح سؤال الكينونة


1 قراءة دقيقة

يأتي هذا الفيلم داخل إطار سينما الشباب ليتجاوز الأسئلة الكبرى ومؤسسًا لوجودية فردية


المخرج محمود أحمد


فيلم بين ضفتين "The war inside us" سيناريو وإخراج محمود أحمد، عمل فني تونسي فلسطيني، يندرج ضمن سينما الشباب التي تجاوزت الأسئلة الوجودية الكبرى، والمتعلقة بالإنتماء والوطن وشكل العلاقة التي تربط الفرد في المؤسسات الاجتماعية الكلاسيكية، وتنطلق نحو استنطاق الذات في شكل العلاقة التي تربطها بذلك المحيط أو المكون الاجتماعي الغير مألوف والغير قادر على محاكاة الشغف والتجديد والتطوير عند روح الشباب، يتناول الفيلم حياة مجموعة طلاب فلسطينيين في تونس، من خلال رصد يومهم العادي وكيفية تعاطي ذواتهم مع ذلك الواقع الذي يفرض عليهم بشكل غير مباشر مقاربات انتمائية بين الوطن الأم والحيز الجديد، ولا يمكن من خلال جدلة العلاقة التي طرحتها مشاهد الفيلم اعتبار تونس حيز اغترابي، لأن العلاقة مع المكان كانت سوية نوعًا ما، كما برز انسجام في المجتمع التونسي بشكل واضح من خلال تعامل الشخصيات مع محيطها ومكوناته.

المهم في هذا العمل والذي انعكس من خلال الحوار القصير بين الشخصيات، هو أن شكل الانتماء للوطن الأم هو من يحمل سمات الإغتراب وعدم الانسجام، وهذا ينفتح على عوامل برزت في السياق الخلفي للحدث النامي في العمل، وهو متعلق بالعائلة وتصوراتها حول أبناءها في الدراسة والنجاح وتحقيق أمنيات قد لا تشكل هاجس وجودي عند الشباب، فالإبن الذي يرفض الوطن ( مشهد تمرير الملابس التي تحمل اسم فلسطين إلى صديقه قائلًا: من كتر ما بحبها) لا يتقاطع مع أمه التي تحلم بأن تراه يلبس رداء التخرج، هذه الفجوة في الرغبة والانتماء تؤسس لسؤال هوية طرحه الفيلم عدة مرات بمشاهد مختلفة وهو: ما نحن؟ وهو سؤال هوية محوري يرصد ملامح التيه بين عدة بنى متصارعة وغير منسجمة.

من أبرز ما ظهر في بنية العمل هو شكل العلاقة مع المحيط الجديد، فبرغم الانسجام الواضح على المستوى الظاهر للعمل، إلا أن سؤال الهوية والثقافة يبرز من جديد في بداية العمل من خلال المقطع الحواري الذي برز فيه عدم قدرة أحد الشخصيات (محمد) على نطق اسم الجامعة بالفرنسية، وهذا الهاجس يرافقه كل صباح عند استقلال التاكسي إلى الجامعة، مقابل تمكن (محمد أحمد) من اللهجة التونسية بشكل واضح ومتقن، من أهم ما طرحه العمل هو علاقة الفرد مع الزمن، وكيف تعمل الغربة على تحديد قالب حياة شبه رتيب للسواد الأعظم من الطلاب، حيث تتوزع حياتهم بين الدراسة وتحضير الطعام ومشاهدة المباريات والانفراد بالهاتف الجوال، وهذا ملمح مهم من ملامح العلاقة بالزمن، حيث تصبح العودة إلى الوطن هي الهاجس للهروب من هذا المستنقع، وهذا برز في حوار الوحيدي في جملة (البلاد طلبت أهلها) مقابل رفض الآخر ( اللي بيطلع من غزة ما بيرجعلها) مقابل تحضيره للعودة وحجز تذكرة السفر، هذه جدلية مهمة تطرح أسئلة عن شكل المرحلة التي يعيش بها الشباب العربي.

ينفتح الفيلم على مشهد باب يوجد ضوء خلف نوافذه، ويختتم على مشهد باب يغلق في الظلام، وهذه سيميائية تحمل عدة دلالات، طرحتها اليوميات التي سلط الفيلم الضوء عليها والتي توزعت بين التنقل من مكان لآخر، العلاقة التي تربط الشبان في بعضهم والتي أتت من تواجدهم في نفس المكان وتشاركهم في نفس الواقع، الجلوس على القهوة، مباريات كرة القدم، اعداد الطعام، تحقيق أمنيات لا تمس شغفهم بصلة ولكنهم ترتبط بمسببات تواجدهم في المكان (الدراسة والتخرج)، العودة للوطن، أو اللاعودة، كل هذه الصور حتى وإن كانت مترهلة وبسيطة فهي تعكس بكل صدق حياة الشباب اليوم ضمن الواقع الغير محدد الملامح، وهي تؤسس لسؤال محوري ووجودي يتجاوز كل ما هو مطلوب منهم، لينصب نحو الذات ورغباتها وما تحلم به وما تريد أن تكون.


أحمد الحرباوي

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.