سردیّات الما بعد: تأمّلات حول النظریة وما بعد الحداثة والنقد الثقافي


1 قراءة دقيقة

سردیّات الما بعد: تأمّلات حول النظریة وما بعد الحداثة والنقد الثقافي

 

د. محمد الشحات

ناقد وأكادیمي مصري

 أستاذ مشارك النقد ونظریة الأدب



ربما مات الناقد بالمعنى الأكادیمي الذي توقَّف عنده رونان ماكدونالد Ronan McDonald حیث تقلّص دوره وتراجع تأثیره كثیرا. بید أن ذلك الناقد الذي عُومِل لفترات زمنیة طویلة بوصفھ شخصا خبیثا شِرّیرا قد "لعب في الحقیقة دورًا مھمًّا في تاریخ الفن والثقافة، وعلینا أن لا نحتفل بموتھ". لكنّ النظریة لم تمت، لا في مجال النقد الأدبي أو الثقافي، ولا في باقي حقول العلوم الإنسانیة، رغم وضعیة "التّیھ النقدي" التي تعیشھا ثقافتنا العربیة منذ سنوات بعد الخروج من عباءة البنیویة على الأقل. من جھة مقابلة، لم تعد النظریة "ھنا-الآن" ھي ذاتھا "النظریة" (بحروف مكبَّرة) التي أُنتِجَتْ ومُورِسَتْ في القرن الماضي. أقصد إلى أن ثمّة تحولات معرفیة وفلسفیة (بارادیجمیة) طالت مبنَى النظریة ومعناھا؛ أي طالت قاعدتھا وأعمدتھا وطبقاتھا ونوافذھا في حقبتي الحداثة Modernism وما بعدھا modernism-Post .من ھنا، یحقّ لنا أن نتشكّك في معاییر النظریة ذاتھا التي لخّصھا جوناثان كولر ببعض الاطمئنان غیر المُریح في أربع نقاط ھي:

 1 - النظریة خطاب معرفي بینيّ.

2 -النظریة تحلیلیة وتأمّلیة.

 3 -النظریة نقد للإدراك المألوف ونقد للمسلّمات. 

4 -النظریة انعكاسیة.

أي أنھا تفكیر حول التفكیر، سواء في مجال الأدب أو في أیة ممارسات خطابیة أخرى. واللافت للنظر أن مُحدّدات كولر السابقة للنظریة تُحیل إلى فضاء حداثي یمتاح في مرجعیتھ الفلسفیة من مفھوم "النصّ" ذاتھ الذي تشكّل في سیاق بنیوي؛ أي بوصفھ تجلیّا فینومینولوجیا للبنیة أو النظام في تصوّر الحداثة للفنون والآداب. أما النظریة منظورا إلیھا من زاویة ما بعد الحداثة فإنھا ترمي إلى استقطاب منظومة مفاھیمیة مغایرة تتصل بالأنساق المضمرة وفلسفة التشظّي وتعدّد الوعي أو الوعي المنقسم ولامركزیة الدلالة وإرجاء المعنَى وتشتّتھ. في خضمّ ھذه التحولات التي تجمع السردیات إلى فضاء النظریة المعاصرة وما بعد الحداثة یحقّ لنا الحدیث عن "سردیّات عربیة". أقصد إلى تراكم الوعي النقدي العربي الذي اشتغل بھ عدد كبیر من النقّاد والباحثین العرب (أذكر منھم على سبیل المثال لا الحصر عبد الله إبراھیم وسعید یقطین)، منذ تسعینیات القرن الماضي، بغیة إجراء مقاربات منھجیة مختلفة لنصوص الأدب العربي. وھو ما أنتج تراكما نظریا وأداتیا واضحا لدیھم، سواء تمثّل في مقاربات ذات مرجعیات بنیویة أو سیمیولوجیة أو (مؤخرا) ثقافیة أو غیرھا. لكني أتصوّر أن الرھان الأكبر الذي سیواجھ المشتغلین بالسردیات العربیة في السنوات القادمة ھو مدى استیعاب أجھزتھم النقدیة دقّة التحوّلات المعرفیة الحادّة التي تمرّ بھا العلوم الإنسانیة في العالم، وتحوّلات مذاھب النقد الأدبي وتیّاراتھ ومرجعیّاتھ الفكریة الأكثر حدّة وتسارعا. ولا أرى الناقد العربي المعاصر إلا مُطالبًا بمتابعة موضوعیة دقیقة للنصوص العربیة الجدیدة أولا، ومطالبا بمتابعة تحولات مفاھیم السردیات العالمیة ونظریاتھا والإسھام فیھا ضمن الفضاء العام لحركة النقد العالمي ثانیا، ثم مواكبة الحركات الاجتماعیة والثقافیة والسیاسیة من حولنا التي تشتبك مع السردیات العربیة بأشكال شتى من التفاعل والتناصّ والحواریّة. باختصار، لا یمكن الزعم ببساطة بموت السردیات البنیویة بین عشیّة وضُحاھا، كما لا یمكن في الوقت ذاتھ الزعم ببقائھا على صورتھا الأولى التي بزغت إلى الوجود منذ الستینیات الأوروبیة. لكنّ بقاءھا -كبقاء أیة نظریة معرفیة- مرھون بمرونتھا وصمودھا وقدرتھا على التحول والاندماج بنسب متفاوتة سواء مع السردیات السیمیولوجیة أو السردیات الثقافیة أو السردیات الرقمیة. في فضاء ما بعد الحداثة، لیس ثمة ثوابت جامدة، ولا كیانات مستقلة، ولا ھویّات نقیّة. الھُجنة ھي مفتاح العصر القادم. والسردیّات الجدیدة، أو سردیّات الما بعد (ما بعد الحداثة، ما بعد البنیویة، ما بعد الكولونیالیة، ما بعد الماركسیة، ما بعد الفرویدیة، ما بعد النسویة، ..إلخ) ربما تكون ھي "بارادیجم" الزمن الآتي. 




تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.