المجموعة القصصية "الطلبية "C345: التأسيس لسرد فلسطيني ما بعد حداثي، من خلال الدلالة المتجددة فوق صيرورة الزمن، والمعنى الانساني المفتوح داخل القصة


1 قراءة دقيقة

 المجموعة القصصية "الطلبية "C345: التأسيس لسرد فلسطيني ما بعد حداثي، من خلال الدلالة المتجددة فوق صيرورة الزمن، والمعنى الانساني المفتوح داخل القصة.


مجموعة قصصية قوامها الهيرمونطيقيا، متعددة القضايا والدلالات، بسرد حداثي يرتقي بالأدب الفلسطيني إلى العالمية، قوامه القارئ الذي يعد الشريك والمنتج الأساسي للنص.

 

أحمد الحرباوي

 

الطلبية C345، مجموعة قصصية للكاتبة شيخة حليوى، صادرة عن دار المتوسط للنشر والتوزيع، ايطاليا 2018، تتوزع المجموعة بين ثماني عشرة قصة قصيرة، حيث تشكل كل قصة فيها، عتبة سردية تحمل بنية تفاعل انساني خاص، لكنها تصب في الزمن الانساني العام وفق أفق عالمي الطرح، لأن الطرح الذي يؤسس لتلك العلاقة لا يعتمد على انعكاسات محلية تتعلق بفضاء دون آخر، بل منفتح على الفضاء العام للإنسان دون أي خصوصية جغرافية، ليؤسس النص لسرديات أدبية تتجاوز في بنيتها اللغة والمعنى، لتصبح لوحات سوريالية، تضج بالحياة والتفاصيل.

تشكل تلك التركيبة السردية، أساس مركزي لعلاقة متبادلة، قوامها النص والكاتب والقارئ، وهذا المثلث الابداعي المتكامل يحفز كل قارئ على إنتاج دلالة جديدة للنص، تفتح ذراعيها بشكل ديناميكي حاضنة الوجدان الانساني الفردي المختلف بطرح مغاير، يستطيع كل قارئ تأويل النص حسب تمثلاته الشخصية.

من خلال هذه المقدمة القصيرة، نجد أنفسنا أمام سرد حداثي بامتياز، سرد مفعم بالحيوية نتيجة تركيبة القصص التي تشكل الدلالة قوامها، بنية السرد القائمة على السيمولوجيا، يعني الأفق المفتوح، مما يجعل النص يحمل عدة  أوجه في التأويل، وهنا يكون لكل متلقي حرية تأويل النص حسب فهمه، واحساسه وتوجهه وتطلعاته.

شكل السرد الحداثي الذي يعتبر تحول مهم وجوهري، على مستوى السرد الفلسطيني والعربي، يحتم علينا اختيار منهج لدراسة بنية النص للكشف عن وجه الحداثة والإبداع فيه، ومن هنا سأنطلق بتفكيك النص حسب فلسفة السيمولوجيا في المدرسة الفرنسية عند رولان بارت.

بنية القصص وحبكتها، تبتعد عن تسلسل السرد ضمن مفردات الدلالة الواحدة، هذا المعهود في السرد الراهن، بنية الطلبية ليست قائمة على الحدث التقريري، حتى وإن اعتمدت على صوت الراوي أحيانًا، وصوت السرد في أحيان أخرى،  بنية القصة تعتمد في فهمها على الدال والمدلول، اللغة والكلام، التقرير والايحاء، وعمق النص يكمن في المحور الاستبدالي الدلالي الديناميكي المعتمد على القارئ وليس سواه، وهذه العناصر تنتج عند القارئ نوع جديد من التفاعل قل ما ينتجه الأدب، لأنها ترتقي بالمتلقي عن اسقاط بنيته العقلية على النص، فالحبكة تجر المتلقي نحو نهاية معينة، لكن النهاية تلغي أثر فعل القراءة السطحية الاسقاطية ليرى نفسه أمام خاتمة غير متوقعة، وهنا ينتج عند القارئ ما يسميه رولان بارت بلذة النص، وهنا يكمن موطن الإبداع، لأن الانقلاب بين البداية ونهاية القصة يخلق بعد تأويلي تنتج دلالات عند القارئ لا يقصدها النص ، ليصبح القارئ في مجموعة شيخة القصصية منتج آخر للنص، لأن السرد بتركيبته يضيف بعد تأملي ليصبح لدينا أفق أرحب نحو الشمولية الناتجة عن الشمولية التي تضيفها فسحة التأويل المتركزة على دلالات كل جملة، داخل دلالة القصة ككل.

بعد توضيح علاقة زمن القصة بزمن الانسان العام، قد نمتلك تصور حقيقي على أن الزمن هنا هو زمن التفاعل، زمن القارئ والنص، زمن منتقل لا يفقد النص صلاحيته مهما تقدم به الزمن، كما أن السياق السردي لم ينفصل عن السياق الاجتماعي، فهناك ملمح قوي وتمثل للنص يحمل سمات البنية الاجتماعية، وهذا يظهر لدينا من سيميائية الدلالة الاجتماعة للنص التي عكست بعد متماسك في تلك البنية، وهنا ندخل إلى منعطف تأويلي من دلالات وجود بعد نضال وطني متعلق بالبيئة المنتجة للنص _البيئة الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948_ حملته قصص (الباسم)، (قضية وطنية)، (فسحة للنباح)، تتعلق بتركيبة اجتماعية معينة، لم ترتبط بقضية فلسطين بشكل مباشر، وبما أن دلالة النص المفتوحة تبيح التأويل، وبمنطلق سيمولوجي (يعتبر القصة على  غرار البنيوية ترتكز على دراسة النص في نظامه المغلق، دون الاغفال عن ضرورة الانفتاح على المحيط من أجلل معرفة التداخل النصي وعملية تفاعل النصوص مع المترسبات الخارجية،  عن طريق استخلاص البنية المولدة للنصوص منطقيًا ودلاليًا،  لمعرفة شروط تكوين الدلالة)، كما أن بيئة النص التي أظهرت شكلًا من التماسك في البنية السوسيولوجية للسرد، كانت تدل على وجود لحمة اجتماعية فلسطينية وسط واقع احتلالي، تمارس بنيتها الفكرية والتقليدية بشكل متتابع في الزمن كما أنها لم تظهر نوع من الانفكاك أيضًا عن بنية المجتمع الاسرائيلي اليوم.

النهايات، لعبة النص، وقمة الحداثة في الكتاب، لأنها في كل مرة كما أسلفت سابقًا كانت تقلب موازين الحبكة ضمن تماسك شديد، وهذا أبدًا لا يشي بوجود تناقض، بقدر ما يخلق انسجام على مستوى النص والقارئ، وفسحة من الدهشة تجعل المتلقي يؤسس لعلاقة لا متناهية مع النص، وهذا يعني وجود ولادة مستمرة للفكرة، تفتحه على سياقات متعددة، وهذا النهايات انبثقت عن بعدين في السرد ضمن مرتكزات بنائه، وتحليل تلك البنية  التي اعتمدت على صوت السرد تارة وصوت الراوي تارة أخرى لكل قصة، فما هي تبعات ذلك الحكي، وكيف أثرت على بنية التفاعل بين مكونات القصة وبيئتها ومضمونها والقضايا التي طرحتها؟

 صوت الرواي حملته عدة قصص هي: (زيارة ليلية)، (قصة حلم)، (رجل يبحث عن عينيه)، (عشرون بل أكثر)، (عروس للبيع)، (مئة حكاية وغاية)، (الباسم)، (صورة قديمة)، (في اليوم السابع).

أما صوت السرد فحملته قصص (فسحة نباح)، (الطلبية)، (حياة من خشب)، (قضية وطنية)، (شطرنج)، (أصوات قديمة)، (ثقب أبيض).


المجموعة الأولى حملت هموم ذاتية، أي كانت شخصياتها في إطار صراع ذاتي ضمن أطار أوسع، يتعلق بالمفاهيم الاجتماعية أو السياسية ضمن رمزية واضحة، وهذا البعد السردي أضفى نوع من التماسك على الشخصية وصراعها في المحيط، ضمن حضور مهم لتيار الوعي (لكن المونولوج هنا، ليس ضمن قالبه التقليدي، الذي يخضع كل شيء لوجهة نظر أحادية الطرح) في توصيف العلاقة وسط ذلك المشهد بل كان مفتوح المعنى والحدود وخارج حدود التأطير الأحادي.

أما بالنسبة للمجموعة الثانية، فحملت قضايا ضمن سياق أشمل من الطرح الأحادي، تتعلق بمفاهيم اجتماعية ونفسية مستشرية داخل المحيط الذي تتحرك فيه دلالات الحدث، فمثال على ذلك قصة (قضية وطنية) قضية الشرشف والتي ترمز للمصالح وكيفية ادارتها من قبل نماذج لشخصيات مختلفة، وهذا ظهر بالتناقض بين شخصية رب العمل والعامل، وتجلت تلك العلاقة الجدلية بين صاحب المحل الذي يغامر بشيء نفيس عند العامل (الشرشف) مقابل رغبات شخصية، في حين يعتبر العامل غياب الشرشف قضية كبيرة تتوقف عليها حياته، ومن ضمن الشخصيات الأخرى التي تحركت في محور الدلالات قضية الله الذي يعتبره المثقف رب للاغنياء فقط، لأنه لو مر من حي فقير سوف يكون حضوره ليوسع السماء لقذيفة أخرى، هذه الجدليات في بنية صوت الراوي كانت ذات مساحة أرحب في الطرح، وأضافت عناصر جديدة للسرد أعطته لذه خاصة، لأن هذا الاختلاف أشار إلى قدرة النص على توليد دلالات مختلفة ومفتوحة ضمن نفس السياق.

مواضيع القصص:

تنوعت القضايا التي طرحها السرد في المجموعة القصصية بين ما يتعلق بسياق اجتماعي وسياسي كتحصيل حاصل له، وما يميز طرح القضايا هو الانتقال من الجزئيات نحو التعميم، الانتقال من الجزء للكل، الانتقال من الحركة إلى الايقاع العام، إلى النهاية المفتوحة التي تدير ظهرها للقارئ، ليحمل وحده وزر الخاتمة، ولكن أي وزر والقارئ سيرتضي في النهاية خاتمة تليق بتطلعه وفق تجربته وذوقه.

 قصة (زيارة ليلية) ناقشت قضية تربوية تحت مفاهيم تقليدية، ملامح تتعلق بالصراع بين الانعتاق والسيطرة، والذي أفضى إلى علاقة إنفصال وموت متعدد الأشكال ودلالة ذلك وجود صراع بين فئتين ضمن زمن طويل متتابع، وإيمان الإبن الرواي للحدث بموت والده (رمزية للموروث التقليدي) بالرغم من الفناء الحقيقي للابن الحقيقي أمام تلك السطوة.

وقصة (فسحة للنباح) فسحة من الرمزية تزيل الضمادات عن جرح نازف، عن وطن ما يلبس أفراده خوفهم وهم يتنقلون بين فصول الحرب، والكلاب السوداء، ومواجهتها،

(الطلبية) تبدأ القصة بحوار بين المدير وموظفته النشيطة، طالبًا تحضير طلبية لزبون مهم، تحضير الأرجل والرسالة الغامضة للشغف، مشهد الرقص السوريالي في لوحة التكامل، والشاب الأصم ودوره في تلك الحفلة، في ترتيب رسائل حبه، دوره الكبير في بث الحياة في امرأة لن تشرب قهوتها معه، لكنها علمته كيف تسمع الموسيقى، وعلمها كيف ترى نفسها.

(ثقب أبيض)، ثقب الهروب من فجيعة الفقدان، فقدان الأهل نفق الأمل في جدار الأسرة التي لم تستطع أن تحافظ على صورة لأم مع ابنتها، كيف تصبح الجدران اطار تحمل صور الخيبة، الام التي ما انفكتت ترميم تلك الصورة إلى أن استسلمت بركنها على منضة بجانب السرير، دلالة الزمن الذي سرق القوة التي كانت ترمم بها وحدتها، فاحتفظت ببرود الذكرى، أخوها الذي نسيت أسمه، ثقب الأماكن حفر النهايات، العلاقة العكسية في امتداد الزمن، الزمن الطويل الذي قد يسرق الأجساد دون أن يطمس شغف الروح، الخوف من اغلاق الثقب يعني موت الذاكرة اقتلاع الصورة الاخيرة منها، وحدة الأم اسقطته على ابنتها التي أصبحت أمًا بعيدة، كيف حلمت هذا المعنى وهي تفقده؟ من يحمل الاجابة هو المسمار الأسود العملاق، اليد الثقيلة العمياء التي تحمل الحقيقة، حقيقة النهاية الأنانية.

قصة (حلم)، التي فضحت كيف نكتب تفاصيلنا بشغف على الأشياء، كيف تصبح الهواجس قصصا نكتبها عنا في وجوه الاخرين، (قصة حياة من خشب)، الخزانة التي كانت ترمم أطرافها، خوفًا من فقدان كيانها، وكأنها شهادة واضحة لتحقيق الذات أمام ذلها في كل شيء، خاصة ضمن حضور زوج من الخشب حاضر في كل تفاصيل التعب.

ازدواجية الحياة والموت في قصة (رجل يبحث عن عينية)، أزمة ايروتيكية؟ فكيف يفقد المرء انتماءه إلى نفسه في كل تلك التفاصيل، ( قصة عروس للبيع) قصة التهويل الاجتماعي، قصة الفرد ضمن سمات مجتمع ضمن الوصمات الاجتماعية لمجتمع يقدس طقوس النميمة والأكل من لحم الآخر، (مئة حكاية وغابة)، الورقة التي علقتها على فرعها المورق بعد الحرب، دلالة وجوب النزوع الفردي في الانفكاك عن المشاكل، ليولد الامل في الارادة، الارادة التي سوف تظلل جمع البائسين.

قصة (شطرنج) عندما تحرك الكتابة واقعًا، برمزية الخوف من النهاية، وامتداد الألم فوق أزمنة الانسان، والكتابة خلاص وسيارة الاسعاف، رمزية الألم الغير منتهي.

(يقظة) احتدام المونولوج في أقوى صوره، الصراع الذاتي بين المنشود والواقع، الانطلاق نحو المطلق دون ازدواجية، دون تشخيص معياري، دون حدود، والأهم دون انفصام بين ما نرغب في تحقيه وبين ما نضطر إلى كونه.

(الباسم) ملامح مجتمع يقف على حواجز الخوف، وكيف يصبح الفناء تأشيرة المرور، ودلالة المرور هي الحرية بالموت أو بالصراع نحو النهاية. دون الاستسلام لملامحنا الهجينة فوق ابتسامة مترهلة، كي نستطيع نزع القناع حتى لو كان التحليق فوق الخراب.

(صورة قديمة) التربص بالقطط، بالرغبات، والزمن الضائع، القطة تدل على النصيب من الفراق البحث بعد فوات الأوان بعد صحوة الزمن، (أصوات قديمة) الوعي والذكريات المواقف الثابتة وهي تقول كل ما تنكرنا له، أما قصة (اليوم السابع)، والخطاب الديني، الخطاب المسروق من أحلام الأطفال، من رغبة الحياة، من لحمهم الغض المقدم كقرابيبن لأهوال الجحيم.

من أهم ما برز في النص جدلية الدلالات أمام موت الشخصية: العصا، الأطراف، تجاوويف العين، المحطة، قمصان النوم، الخزانة الخشبية، الثقب الأبيض، القطة، الحمام، اللوحة، سيارة الاسعاف، والمخروط، كلها دلالات لعبت الدور الرئيسي في رواية الحدث، كل دلالة على حدى كانت حكاية مستقلة ولها داخل النص غاية محددة تندمج في الدلالات الأخرى مؤدية معًا وظيفة خاصة، هي سحب المتلقي نحو تجربته، وهنا يبرز بعد اندماجي مهم، لأن النص يبتعد عن التأطير والأيدلوجيا وقوالب الأفكار والمسميات، يبتعد بنا عن الأنا والآخر، لينفتح فقط على الانسان.

في النهاية يمكننا الحديث عن نقطة تحول وانعطاف كبير في السرد الفلسطيني بعد عقود من التنميط والطرح المتباكي على أطلال التاريخ والانسان المنكوب، ليصبح صوت الحياة القوي هو القادر على رواية زمن الانسان الفلسطيني الحي والقادر على التجديد والابتكار، من أجل متابعة سير الحياة والتفاعل على المسرح الانساني العام.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.