التوراة الكنعانية، سفر الوجود الأزلي، بقلم وفاء ابريوش


1 قراءة دقيقة

إنّي ألوذ بك، أطلب نصحك

هو ذا شعبي (.. عند) قدميك، شعبي الذي

و سفوحك- الصلوات خرساء

و لكن النار تضطرم في أحشائي فأصرخ إليك

بحزن و أكرر الصّلاة

الخشب و البلاط الحجري

يشكو إلى السماء- شعب البلاد

في الهاوية شعبنا يتوهّج من الآلام

بسبب البرد و الصاعقة و الشقاء فلتلعنهم السماوات بالصلاة *

   إنها صلاة الشكاوى التي كان يتلوها الكنعاني، من أجل الملك أو من أجل رفع مصيبة عن البلاد، وُجدت على رقم حجري في مكتبة أوغاريت التي كانت تحتوي على العديد من الألواح في " رأس شمرا " و هو تل يقع على الشاطئ السوري، على بعد 12 كيلومتر شمالّ اللاذقيّة، و الذي نقّب فيه عالميّ الآثار (كلود شيفر) و (جورج شيني) بتاريخ 14 أيار عام 1924،  حيث وجدوا ألواحا تحمل كتابة مسمارية لم تكن معروفة من قبل ذلك الحين.

   هي أبجديّة طوّرها مجموعة من الساميين الكنعانيين بداية الألف الثاني قبل الميلاد زيادة على الهيروغليفية.. إذ تطوّرت الكتابة بتحويل العلامات الهيروغليفية إلى خطوط أبجدية كان عن طريق استعمال طريقة أطلق العلماء عليها:

“الأكروفونية Acrophonic”

و هو مصطلح مكوّن من كلمتين هما( أكرو بمعنى رأس أو مقدمة) و ( فون: بمعنى صوت)و قد كانت موجودة بين كنعاني فلسطين و وصلت إلى أشقائهم على الساحل اللبناني و منهم جبيل.

   و ما هذه المقدمة عن الكتابة، التي طوّرها الكنعانيون إلا مدخلا لقراءة الأبجدية و الموروث الحضاري المثولوجي  و العقائدي لديهم، و سنعتمد بقدر كبير على ما قدمته قراءة العالم ( ديل مديكو) بنصوص رأس شمرا و التي نُشرت لأول مرة في براغ أثناء اجتماعات علمية للمستشرقين عام 1949.. و نُشرت بعدها دون الشروحات و المقارنة مع أسفار العهد القديم، تحت عنوان ( اللآلئ من النصوص الكنعانية).

لقد قسّم مديكو النصوص إلى أربع مجموعات رئيسة:

  • 1.. الأساطير
  • 2- القرارات و الأوامر
  •  3- الوقائع التاريخية
  • 4- المزامير و الصلوات
  •    إن العديد من المواد الواردة في كتابات رأس شمرا عادت و وردت في التوراة العبرية.. بل لوحظ أيضا أن الكاتب الكنعاني كان يعتبر على الأغلب أن هذه النصوص تشكّل توراة، فهناك ملاحظة تقول إن هذه النصوص كُتبت " لكي يتعلم الشباب " و على ذلك يبدو أن هذه النصوص وُجدت كي تتعلمها شبيبة ما بقصد استمرارها. :" إذن فإن نصوص رأس شمرا بحكم تركيبها و هدفها كانت عبارة عن توراة، توراة سكان فلسطين و سورية الأصليين في زمن تل العمارنة، توراة البلاد التي كانوا يسمونها أمورّو أو بلاد كنعان. 

  •    إن جميع هذه الكتابات بالوضع الذي كانت عليه عند أحداث رأس شمرا كانت تُشكّل " التورارة الكنعانية"، أما التوراة العبرية فإنها لا تشكل عملا متجانسا، و يرى مديكو أن العبرانيين هم بقايا الحثيين الذين ذهبوا حوالي عام 1900 لغزو بابل. غير أن العبرانيين ما لبثوا أن هاجروا أمام ضغوط شعوب جاءت من الشمال (الآشوريين على الأرجح) فاجتازوا سورية و دخلوا فلسطين عن طريق جرش. اشتبكوا مع السكان بمعارك ضخّمها مؤلفو العهد القديم ثم استقروا في البلاد و ذابوا مع سكانها إلى درجة استطاع حزقيال أن يقول: " أمكم( المقصود عرقكم ) حثية و أبوكم أموري"

  •    إنّ الحقيقة الهامة التي تظهر نتيجة حل الخطوط الهيروغليفية- الحثية- الجديدة (مكتوبة بالهيفية) و من خلال قراءة نصوص رأس شمرا (مكتوبة بالكنعانية). و إذا قمنا بمقارنة هاتين اللغتين مع لغة التوراة العبرية تظهر لنا نقطة على درجة كبيرة من الأهمية: أن اللغة الكنعانية و هي لغة سامية، تتضمن بعض التعابير المأخوذة عن المصرية. و هذا طبيعي لأن الزمن الذي كتبت فيه نصوص رأس شمرا، هو زمن عرفت فيه البلاد الهيمنة المصرية، و بالتالي فإن العادات و المعتقدات المصرية كانت قد تسربت إلى فلسطين.
  •    و تحررت البلاد من الاحتلال المصري نتيجة تحالف العبرانيين مع عبدي عشيرتا، غير أن ذلك لم يؤدِّ إلى تغييرات جذرية على مستوى الحضارة. و في فترة لاحقة عندما أخذ العبرانيون ( و قد اندمجوا بالكنعانيين) يكتبون توراتهم اختفت التعابير المصرية بكاملها تقريبا، لا بل تم الاستغناء حتى عن بعض التعابير السامية، و اختفت هذه التعابير و حلت محلها تعابير أكثر استعمالا في الحياة اليومية، و هي من أصل حثي و هيغي. لذا يمكن الافتراض دون أن نبتعد عن الحقيقة، بأن العبرانيين لم يكونوا ساميين أصلا، بل كانوا أحفاد شعوب تتكلم لغة هندية-أوربية من مجموعة "كنتوم". 

 

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.